الشيخ محمد رشيد رضا
379
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المحتملة حالهم للعذر وعدمه ، واليأس قلما ينشأ إلا من ضعف في النفس أو الايمان ، وكأين من مكاس وجلاد ومدمن خمر تاب وأناب ، والمحققون لم يجعلوا احتمال الأذى ولا يقينه موجبا لترك النهي عن المنكر ولا لتفضيله على الفعل بل قالوا في هذه الحالة بالجواز ، واستدلوا على تفضيل النهي بحديث « أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر » رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وغيرهم وفي بئيس عدة قراآت أخرى بين متواترة وشاذة ، تتخرج على الخلاف في أصل صيغته ، وعلى لغات العرب في التصرف في المهموز : فقرأها أبو بكر على خلاف عنه بيئس بوزن ضيغم - وابن عامر بكسر الباء وسكون الهمزة بناء على أنه أصله بئس بوزن حذر فنقلت حركة الهمزة إلى الفاء للتخفيف ككبد في كبد ، ونافع بيس على قلب الهمزة ياء كذئب وذيب ، أو على أنه فعل الذم وصف به فجعل اسما . ومن الشواذ بيّس كريس على قلب الهمزة ياء وادغامها ، وبيس كهين على تخفيف المشدّدة ، وبائس بوزن فاعل * * * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ أي فلما عتوا عن أمر ربهم عتو إباء واستكبار عن ترك ما نهاهم عنه الواعظون قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ هذا القول للتكوين أي تعلقت إرادتنا بأن يكونوا قردة خاسئين أي صاغرين أذلاء فكانوا كذلك قيل : إن هذا بيان وتفصيل للعذاب البئيس في الآية السابقة ، وقيل : هو عذاب آخر ، وإن اللّه عاقبهم أولا بالبؤس والشقاء في المعيشة ، لأن من الناس من لا يربيه ويهذبه الا الشدة والبؤس ، كما إن منهم من يربيه ويهذبه الرخاء والنعمة ، وبكل يبتلي اللّه عباده ويمتحنهم كما قال ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) وقال في بني إسرائيل ( وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) ولكن هؤلاء القوم لم يزدهم البؤس والسوء إلا عتوّا وإصرارا على الفسق والظلم فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ، ومسخهم مسخ خلق وبدن فكانوا قردة بالفعل ، أو مسخ خلق ونفس ، فكانوا كالقردة في طيشها وشرها ، وإفسادها لما تصل اليه أيديها . والأول قول الجمهور والثاني قول مجاهد قال : مسخت قلوبهم فلم وفقوا لفهم الحق